في مستهل حوار الطاولة المستديرة، قال الناشر والمحرر الصحفي فيليب فال، من أسبوعية "تشارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة، إنه قرر إعادة نشر رسوم كاريكاتور الرسول محمّد المثيرة للجدل كتصريح حول حرية التعبير، "لإظهار أنه من الممكن القيام بذلك" ثمّ المضي قدما.
وقال فيليب فال كذلك إنه "إذا لم نعد نملك الحق، في بلد ديمقراطي، في الضحك من أولئك الذين يريدون بث الرعب في حياتنا، فإن هناك مشكلة حقا". ورأى فال، مع مدير تحرير صحيفة "لوكسبريس"، أنه بات من العاجل عرض المشكلة ضمن إطار ديمقراطي، إثر صدور القرار المفاجىء بطرد مدير تحرير صحيفة "فرانس سوار" الفرنسية لكونه أول من نشر الرسوم المعنية في فرنسا. وأوضح فال: "يتعلق الأمر بمسألة هجاء ساخر.. هجاء ساخر حول الرعب" له تشعبات تتخلل المجتمعات و "لا علاقة له بالإسلام".
رئيس التحرير ومدير الإدارة اولف يوهانسون، من صحيفة "نيريكيس إليهاندا" السويدية الإقليمية التي نشرت رسما كاريكاتوريا يصوّر الرسول على شكل كلب لأسباب مماثلة، قال: "لقد طالبنا بوجوب التمكّن من الهزء بالدين"، وشدد في الوقت ذاته على لزوم وجود فضاء لممارسة جميع الأديان، قائلا: " نحن [في السويد] ندافع عن [حرية الدين] بنفس الحزم الذي ندافع به عن حرية الكلمة".
وبينما يمكن لفسح مجال تحريري لعرض مجموعة متنوعة من وجهات النظر أن ينطوي على نعوت دينية أو تعابير مقذعة، قال يوهانسون: "ليعلم الجميع أنني لن أنشر صورا، لـ[الرسول] محمّد على سبيل المثال، بسهولة في صحيفتي... لأنه يجب عليّ أن أفكر في الناس المسلمين الذين يعيشون في بلدتي ويمكن أن يتأثروا بذلك".
وعلى المنوال نفسه، يعتقد فيليب فال أنه "في نظام ديمقراطي يجب على قوة سياسية من النوع الذي يدّعي لنفسه الحق في تعريف حدود القانون أن تكون عرضة للنقد وللهجاء الساخر شأنها شأن جميع الآخرين، فالمسألة لا تتعلق بالدين إذا ً بل بالإيديولوجية، ونحن نملك الحق في توجيه الإنتقاد للإسلام عندما يتنكّر بمسوح إيديولوجية" سياسية.
وبناء على ذلك، ذهب فيليب فال إلى أن رسوم الكاريكاتور لم تكن عنصرية الطابع. وفي تعابير مماثلة، قالت ، دينا بوكيمبنر، المستشارة العامة لدى منظمة مرصد حقوق الإنسان، "هيومان رايتس ووتش"، إن رسوم الكاريكاتور كانت جديرة بالإهتمام بوجه خاص بالقدر الذي هزّت فيه المشاعر الدينية وليس مشاعر المسلمين حصرا، الأمر الذي وضعها في الطرف الآخر من طيف خطابات الكراهية التي صدرت، مثلا، خلال أعمال الإبادة الجماعية في روندا عن إذاعة "Mille Collines"، فرسوم الكاريكاتور المعنية أرغمت بالأحرى على فتح مناظرة حول "إنسجام الإسلام مع العلمانية الدنيوية والإلحاد"، ولا سيما في فرنسا، مثلما ذكره فيليب فال.
ممثلا لطرف مختلف من العالم، شكك جهاد المومني، رئيس التحرير السابق لأسبوعية "شيحان" الأردنية، في صواب القرارات التي اتخذها فيليب فال واولف يوهانسون بنشر رسوم الكاريكاتور المعنية في بلدان غربية، وتساءل: "لماذا نشنّ حملات ضد أحدنا الآخر؟"
ومع ذلك، كان فيليب فال وجهاد المومني قد أعادا نشر رسوم الكاريكاتور من أجل إطلاع الجمهور على السبب الذي أطلق، إلى حدّ ما، الإنتفاضة حول العالم، وقال المومني: "عوقبت لأنني حاولت تقديم إستجابة عقلانية وتلافي صراع سياسي وثقافي بين حضارتينا".
على أية حال، كانت الإدانة الأردنية الصادرة على تصرف جهاد المومني أقسى من المشاكل القانونية التي واجهها ناشرو رسوم الكاريكاتور الأوروبيون، ولا يزال المومني خاضعا للمحاكمة بتهمة الكفر بسب قراره نشر الرسوم، وقد يصدر عليه حكم بالإعدام إذا وجدته المحكمة مذنبا.
تشير النهايات التي آلت اليها مختلف القضايا في آخر الشوط إلى وجود شَقة حقيقية بين ثقافات العالم، وبين الأنظمة السياسية علاوة على ذلك، ففيليب فال تلقى تهمة العنصرية بعد الشكاوى التي رفعتها عليه مساجد باريس واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF) ورابطة العالم الإسلامي، غير أن فرنسا، بوصفها بلدا علمانيا، أجازت نشر تلك الرسوم فحكم القضاء لصالح فيلييب فال.
ويؤمن جهاد المومني بأن الإساءة جانب متلازم لحرية الصحافة والتعبير طالما كانت صادقة، وقال: "كان من واجبي إطلاع الناس وتزويدهم بالحقيقة حول هذه الكاريكاتورات، ليس بنيّة إحداث صدمة العالم بل إنما لتغييره". وناشد المومني المسلمين، في مقال إفتتاحي نشره تحت عنوان "يا مسلمي العالم تعقـّلوا"، أن يحكموا على طبيعة هذه الرسوم التهجمية، وتساءل: ""أيّهما يسيىء للإسلام أكثر من الآخر، أجنبي يجتهد في رسم الرسول أم مسلم يتأبط حزاما ناسفا ينتحر في حفل عرس في عمان أو أي مكان آخر"؟
من جانبها، وضعت منى الطهاوي، وهي مدافعة شرسة عن الحق في الإساءة ومحررة حاصلة على عدة جوائز تنشر مقالاتها في صحف عديدة ومحاضِرة دولية في الشؤون العربية والإسلامية، وضعت رسوم الكاريكاتور في أسفل قائمة الأمور المسيئة، وقالت إن الطريقة التي يستقبل العالم الإسلامي بها رسوم الكاريكاتور ويتعامل معها لهي أكثر مدعاة للإساءة مما قد تشير إليه الرسوم نفسها بشكل ساخر، لأنها تظهر "أننا منسحقون بين مطرقة حكام ديكتاتوريين من طرف وبين سندان الجماعات الإسلامية من طرف آخر، وكلاهما لا يؤمن بحرية الكلمة".
وأضافت أن العلاقات البينية المميتة في العالم الإسلامي والعالم العربي وأعمال الإرهاب لهي أكثر بعثا على الإساءة من رسوم الكاريكاتور، ذلك أن "لا أحد يجرؤ على الكلام عن السعوديين لأنهم يحتضنون الحرمين الشريفين في الإسلام، مع أنني أجد ذلك أمرا مسيئا جدا، بل وأكثر إساءة من رسوم الكاريكاتور في الدنمارك".
وزادت: "في الوقت الذي كان فيه السعوديون يتدافعون للتقدم على مصر في مجال الدفاع عن النبي، كانوا قد شرعوا في عملية تدمير منهجية للدور والمواقع التي لها علاقة بسيرة النبي والصحابة الذين يعلـّمنا الإسلام إحترامهم وتبجيلهم، ولا أحد يتكلم عن الإساءات التي يتسبب فيها السعوديون لحساسيات المسلمين".
من طرفه، علّق رسام الكاريكاتور الجزائري، علي ديلم، الذي خاض أكثر من 50 معركة قضائية في سوح المحاكم وواجه سنة 2004 فتوى إسلامية بسبب رسومه، بالقول إن "الإسلاميين في الجزائر لا يزالون يذبحون الناس من حناجرها ولا تزال الأحزاب الإسلامية تحضّ على الكراهية ولا أحد يعترض أو يستاء، ولكن رسما كاريكاتوريا واحدا لـ[الرسول] محمّد يُنشر وإذا بالناس تخرج إلى الشوارع؛ وتتعرّض ناس للإعتقال وبعضها ما يزال وراء القضبان... ولكن لا أحد يُستثار بما يكفي للخروج إلى الشارع".
من جانبه، يؤمن كنان مالك، وهو كاتب ومحاضر في جامعة سرّي البريطانية، بأن الناس ينبغي أن تذهب بالإساءة إلى أبعد ما تريده، ولها أن تسيىء ولكنها يجب ألا تكون فظّة أو عديمة الإحترام بغير ضرورة، وقال في هذا الصدد: "في مجتمع متجانس يفكر فيه الجميع بالطريقة نفسها بالضبط لن تكون الإساءة أكثر من شيء مجاني لا مبرر له، ولكنه في العالم الحقيقي حيث توجد مجتمعات تعددية فإنه من المحتّم والهام معا أن يسيىء الناس لحساسيّات الآخرين؛ محتّم لأنه حيث تكون هناك معتقدات مختلفة غائرة في أذهان الناس تكون الصدامات أمرا لا سبيل إلى تفاديه، ويجدر بنا أن نتعامل مع هذه الصدامات بدلا من السعي إلى قمعها".
وقالت منى الطهاوي تعقيبا على ذلك: "يجب ألا تكون لدينا أية كوابح، لأننا بإساءتنا إلى الجميع نخوض في نقاشات ونخلق شكل البيئة التي نريدها، فنحن لا ننتظر من الحاكم المستبد أن يخبرنا بما هو مسيىء وغير مسيىء، كما أننا لا ننتظر أن تخبرنا الجماعات الدينية بما هو مسيىء وغير مسيىء، بل إننا نتوصل إلى معرفة ذلك بأنفسنا وسط هذه الفوضى التي تطرّق إليها مالك".
وقلب كنان مالك أيضا إتجاه خط المحاججة المعتاد بشأن فرض الرقابة إنطلاقا من إحترام الغير، وحوّله لصالح أولئك الذين يكونون هدفا للهزء والسخرية، فهو يقول: "الرقابة المتعددة الثقافات تقوض الإستقلال الذاتي للفرد عن طريق تقييد حق الناس في إنتقاد معتقدات الآخرين وبواسطة الإصرار على أن الأفراد الذين يعتنقونها هم أضعف أو أوهن من أن يتحمّلوا الإنتقاد والهجاء الساخر أو سوء المعاملة"، ويرى أن تحاشي الخطاب المسيىء بكل أشكاله ينطوي ضمنيا على تعريف الغير بأنه أضعف منّا.
المشكلة الحقيقية في هذه المناظرة المشروعة هي إنتهازها من طرف حكومات ترغب في الحدّ من حرية الصحافة والتعبير وفي خلق تيارات للرأي وسط رعاياها من أجل تطوير مراميها. وأشار كثير من المتحدثين في طاولة الحوار المستديرة إلى عدة حكومات نظـّمت وقادت اللغط والجلبة لتبرير إمعانها في تقييد حرية التعبير وحرية الصحافة.
وقال علي عمّار، المشارك في تأسيس مجلة "لو جورنال إيبدومادير" الأسبوعية المغربية وناشرها، إن "السلطات لم تتردد في إستخدام هذه الفضيحة الدولية لإسكات صوت صحيفة مستقلة وجّهت إنتقادات لها"، وعرض صورة لما حصل في المغرب بعد الغضبة الشديدة التي ثارت بسبب رسوم الكاريكاتور، كذّبت صور الإحتجاج والعنف التي طافت حول العالم عبر موجات الأثير. وقال علي عمّار في هذا المعنى: "ما حصل في المغرب في أعقاب نشر رسوم الكاريكاتور الدنماركية له علاقة ضعيفة بالإسلاميين أو بعقلية الغوغاء وسط أناس يحتمل أنهم أحسوا بالإهانة بسبب الرسوم".
وأردف: "لم تكن الإحتجاجات واسعة النطاق حقيقة - فالمنظمات الإسلامية، الهامشية تماما، لم تكن يوما قادرة على حشد مساندة كبيرة. ولم تحتشد الناس إحتجاجا في المغرب حول مسألة رسوم الكاريكاتور، فهذه المسألة، ببساطة، لم تلهم حركة جماهيرية، مثلما هي الحال مع مسألة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، أو حرب العراق، التي تدفع الناس إلى الخروج إلى الشوارع بالآلاف. كلا، لم تخرج الناس بسبب هذه المسألة".
واستطرد يستعرض تفاصيل الإحتجاجات ضد صحيفته: "جلبت الشرطة مواد التظاهرة وصنعت الشعارات واللافتات بأيديها ونقلتها على متن سياراتها الخاصة وقامت حتى بلصقها على متاريسها... وتمّ إنزال موظفين حكوميين من الحافلات أمام مكاتب الصحيفة، وزوّدتهم عناصر الشرطة ذاتها بالشعارات. ولذا يمكن القول بإن الإحتجاجات كانت خدمة عامة بالكامل". ويعقّب علي ديلم: "ليس لدي مشاكل مع الجزائريين الذين التقي بهم، فمشاكلي بالأحرى هي مع السلطات"، حتى مع أنني "لم أعبر الخط وأرسم صورا لـ[الرسول] محمّد".
من جهته، فنّد كنان مالك كذلك الفكرة القائلة بأن رسوم الكاريكاتور، التي جرى تعميمها عبر وسيلة أخرى من أساليب التلاعب الحكومية، جرحت مشاعر المسلمين قاطبة. وبالفعل، نظّم المسلمون الراغبون في العيش بين ظهراني مجتمع علماني تظاهرات مضادة غير معروفة بما يكفي في إطار الإحتجاج ضد رسوم الكاريكاتور "ولكن تلك الأصوات لم تلق آذانا صاغية في غمرة الإستعجال لحظر كلّ ما اُعتبر مصدرا للإساءة".